أحمد الفاروقي السرهندي

149

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

اللّه سبحانه سلاطين أو أقطابا وامّا أن لا تحدث له قوّة الظّهور في عالم الشّهادة فيكتفى بذلك الظّهور المثاليّ الذي هو أضعف الظّهورات ويظهر فيه على قدر قوّته . ومن هذا القبيل ما يراه طالبو هذا الطّريق من الواقعات حيث يجدون أنفسهم في مقامات عالية ويرون أنّهم تشرّفوا بمناصب أرباب الولاية فإن ظهر هذا المعنى في الشّهادة أيضا فهو دولة عظيمة وإن اكتفى بظهوره في المثال فلا حاصل فيه بل هو مصيبة فإنّ كلّ حائك وحجّام يرى نفسه في المنام سلطانا وليس له حاصل غير الخسارة والنّدامة فلا ينبغي اعتبار الواقعات وكلّ ما يتيسّر في الشّهادة فهو الغنيمة . ( شعر ) وإنّي غلام الشّمس أروى من الشّمس * * * * ومالي وللّيل فأروى حديثه ومن ههنا لم يعتبر أكابر النّقشبنديّة الواقعات ولا يتوجّهون إلى توجيه وقائع الطّالبين وتعبيرها لكونها قليل الجدوى وإنّما المعتبر عندهم ما تيسّر في الإفاقة واليقظة ولهذا اعتبروا دوام الشّهود واعتقدوا الدولة استمرار الحضور والحضور الذي يقتفيه الغيبة « 1 » ساقط عن حيّز الاعتبار عند هؤلاء الأكابر ومن ههنا صار نسيان ما سوى اللّه تعالى دائميّا في حقّهم وحضور الغير في قلبهم منفيّا في جميع الأوقات نعم إذا كانت النّهاية مندرجة في بداية شخص كيف يستبعد عنه هذه الكمالات رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ « 2 » والسّلام . المكتوب التّاسع والخمسون إلى الخواجة محمّد عبد اللّه ولد شيخه سلّمه اللّه في بيان أنّ المعقول والموهوم والمكشوف والمشهود كلّها داخلة في السّوى وما يناسب ذلك الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلها قرّة العين وقد اندرج فيها أنّ تلك الشّعابذة قد زالت وارتفعت بكرم اللّه سبحانه وتعالى ولم يبق منها شيء والهمّة مصروفة في أن لا يحصل شيء من الإثبات والمعقول والموهوم كلّه داخل تحت كلمة لا كذا وكذا

--> ( 1 ) الغيبة : في اللغة : من غاب الشئ في الشئ . انظر : ابن منظور : لسان العرب : غيب . أما في اصطلاح الصوفية : فالمراد بها غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لشغل الحس بما ورد عليه . وصورتها في البدايات : الغيبة عن رسوم العادات . وفي الأبواب : الغيبة عن تمتعات الدنيا ولذاتها . وفي المعاملات : الغيبة عن الخلق وأفعالهم والنظر إلى أمورهم وأقوالهم . وفي الأخلاق : الغيبة عن النفس وأهوائها . وعن صفاتها ودواعيها وآرائها . وفي الأصول : الغيبة عن القصد عما سوى المقصود وفي الأودية : الغيبة عن ظلمات عالم النفس بالاستغراق في نور القدس . انظر : ابن العربي : اصطلاحات الصوفية : 288 . الكاشاني : معجم اصطلاحات الصوفية : 341 ، 342 . ( 2 ) البقرة : 286